خواطر حول اليوم الأول بعد العودة

بالأمس كان اليوم الأول للعودة للعمل في العيادة الجلدية عن بُعد بعد انقطاعٍ امتد لقرابة الثلاثة أشهر. ورغم ضيق الوقت وتثاقل المهام المؤجلة، شعرت أن شيئاً ما استعاد توازنه في داخلي؛ كأن النافذة التي كنت أطلُّ منها على حيوات السودانيين قد فُتحت من جديد، نافذة تمتد من صقيع هلنسكي إلى دفء القاهرة، ومن عمق الريف البورتسوداني إلى بنايات الخليج المتشابكة.

ومع كل استشارة، تكرّس في داخلي ذاك الإحساس المتجدد: وحدتنا السودانوية العميقة، رغم تباعد الجغرافيا وتفاوت القصص. تظل آثار الحرب، بدرجاتها المختلفة، حاضرةً في كل جلدٍ أعاينه، وكل وجهٍ أراه عبر الشاشة. هناك وحدةٌ خفية تجمع مصائرنا، كأن الألم يصوغ نسيجاً جديداً من التضامن العابر للحدود.

من أكثر ما تكرر أمس هو ذاك النمط المألوف: مريض لا يفهم حقيقة مرضه الجلدي، لا لأن فهمه قاصر، بل لأن من شرح له سابقاً استخدم أدوات معرفية مبسطة إلى حد التزييف. فكيف يُقال مثلا إن التينا البيضاء هي "فطريات" لمجرد أن الكريم المضاد للفطريات يُحسنها؟! بينما الحقيقة أنها نمطٌ من أنماط الإكزيما التي تستجيب لهذا العلاج رغم أن آلية التحسن هنا ليست مفهومة بالكامل، أو كيف يُفترض بالمريض أن يفهم الفارق بين "كريم" و"جل" حين يُصرف له نفس الدواء بشكلين مختلفين، دون شرح تأثير القوام على امتصاص الجلد وطبيعة الالتهاب؟

في كل مقابلة كنت أشرح بهدوء، محاول استخدم ما أعرفه من أمراضه الأخرى، من حالته النفسية، من تاريخه مع السكري مثلاً، لأرسم له مشهداً متكاملاً يربط بين الظاهر والباطن، بين الحكة في الجلد وبين قلقٍ مزمن لا يُفصح عنه، فتلتمع أعينهم حينها، بشيء من الارتياح، من الفهم، من استرداد جزء من السيطرة على ما ظنوه لغزاً طبياً محيراً.

وما زاد من سعادتي هذا العام هو ملاحظة الطفرة الهائلة التي حدثت في أدوات الذكاء الاصطناعي خلال فترة الانقطاع. لم تعد مجرد أداة بحث، بل صارت حليفاً معرفياً. حيث يمكنني الآن توليد رسائل تثقيفية دقيقة خلال ثوانٍ، أو البحث في قاعدة بيانات طبية تخصصية بأضعاف السرعة والدقة. لكنني يجب الانتباه هنا: فالذكاء الاصطناعي ليس بديلاً للتعليل الطبي، ولا يجب أن يُعامل كعكازٍ ناعم للكسل، بل يستخدم بإحترافية كمُعزز لسير العمل، كمساعد على التنظيم والشرح والمتابعة.

عدت. وسعادتي بهذه العودة لا تكمُن في ممارسة المهنة فقط، بل في استعادة ذاك الخيط المتين الذي يشدني إلى هموم الناس، وحيواتهم ورحلاتهم بين المرض والعافية، وأنعم بها من روابط ممتدة 🙏

#عيادات_بيت_العافية

#عيادة_الجلدية_أون_لاين

⚕️ هذا المحتوى للتثقيف الصحي العام ولا يغني عن الاستشارة الطبية. لحالتك الخاصة يمكنك حجز استشارة بالعيادة.
استشارة عبر واتسابتابعنا على تلغرام