لماذا لا تصل الشمس إلى عظامنا؟

رغم الشمس الحارقة فإن فيتامين د لا يزال مشكلة صحية لدينا، فهناك عوائق صامتة تؤثر في المسار من الضوء للفيتامين:

أول تلك العوائق: لون الجلد

الميلانين الذي يكسو بشرتنا بلونها الداكن الدافئ، ليس حياديًا من الناحية البيولوجية. إنه يعمل كمرشح طبيعي يشتت الأشعة فوق البنفسجية (UVB)، وهي الأشعة المسؤولة عن تحفيز الجلد لإنتاج فيتامين (د)، وكلما ازداد تركيز الميلانين، قلّت كمية الأشعة التي تصل إلى الطبقات العميقة من الجلد، حيث توجد مادة 7-dehydrocholesterol التي تتحول إلى فيتامين (د₃) تحت تأثير الشمس. وتشير الدراسات إلى أن الشخص ذا البشرة الداكنة قد يحتاج إلى وقت أطول من غيره بثلاث إلى ست مرات لتوليد نفس الكمية من فيتامين (د).

التغطية، والزمن المحدود، والمدن المغلقة

في القرى والأرياف، يقضي الناس وقتًا أطول في الهواء الطلق، لذا يكون النقص لديهم أقل شأوا من الحالة بالمدن الكبرى، حيث ينتقل الناس من الظل إلى الظل، فيصبح زمن التعرض لأشعة الشمس ضئيلًا، ومساحة الجلد المكشوف عادة للكل، تكاد لا تتجاوز ال 5% من الجسم أحيانًا (الوجه والكفان فقط). والنتيجة: حتى لو وقف الشخص في الشمس لنصف ساعة، فإن الجسم لا يُنتج أكثر من بضع وحدات من فيتامين (د)، بالكاد تغطي الحاجة اليومية الأساسية، ولا تعوّض النقص المزمن المتراكم.

الجينات: حين لا يستجيب الجسد كما يجب

أما العائق الأعمق، فهو ما لا يُرى بالعين المجردة: الاختلاف الجيني.

تشير الأبحاث إلى أن كثيرًا من السودانيين يحملون تحوّرات (polymorphisms) في الجين المسؤول عن مستقبلات فيتامين (د) – تحديدًا VDR gene بنسخه المعروفة مثل Bsm1 وApaI وTaqI. هذه التحورات لا تمنع إنتاج الفيتامين فحسب، بل قد تُضعف كفاءته في عدة مراحل: فبعض الأشخاص لا يمتصون فيتامين (د) من الأمعاء بشكلٍ فعّال، خاصة إن كان في شكله الدوائي أو مع بعض الأطعمة الدهني، كما أن فيتامين (د) عليه المرور عبر الكبد ثم الكلى ليتحوّل إلى شكله النشط (calcitriol)، وهناك من تتباطأ لديهم هذه العمليات لأسباب وراثية، وحتى لو توفر الشكل النشط من الفيتامين، فإن الخلية التي تستقبله تحتاج إلى مستقبل فعّال، وعند وجود تحوّر في هذا المستقبل، تقلّ الاستجابة وتبقى الأعراض كما هي.

وهنا تكمن الخطورة: الشخص قد يبدو ملتزمًا بالعلاج، وقد يُظهر تحليل دمه أرقامًا مقبولة، لكن التفعيل الخلوي لا يتم، فيبقى في دائرة الخطر دون أن يشعر.

وأين الغذاء من هذا كله؟

في بلدان كثيرة، يُعوَّض النقص الشمسي بالغذاء المُدعّم: الحليب، الطحين، الزيوت، وحتى حبوب الإفطار تُضاف إليها جرعات محسوبة من فيتامين (د)، لكن في السودان، لا توجد سياسة وطنية لتحصين الغذاء بهذا الفيتامين، ما يجعل الاعتماد على التغذية وحدها خيارًا ضعيفًا وغير مضمون، لذا حتى من يتناول طعامًا "صحيًا"، لا يحصل غالبًا على أكثر من 100 وحدة دولية يوميًا من فيتامين (د)، بينما يحتاج الجسم إلى 2,000 وحدة أو أكثر للحفاظ على مستواه في الحد الأمثل، ناهيك عن من يعانون نقصًا حادًا أصلاً.

حين تجتمع كل هذه العوامل، تصبح شمسنا الوفيرة عاجزة عن اختراق طبقات هذا الحصار، وإن أردنا أن نكسر هذا الطوق، فلا يكفي أن نقول للناس: "اخرجوا إلى الشمس"، بل علينا أن نفهم أولًا لماذا لا تكفيهم الشمس، ثم نُعيد بناء الجسور العلمية والثقافية والتغذوية بين الضوء والاستفادة منه.

نواصل بالمنشور القادم حول طرق التعويض والأهداف العلاجية

#نقص_فيتامين_د #عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين

⚕️ هذا المحتوى للتثقيف الصحي العام ولا يغني عن الاستشارة الطبية. لحالتك الخاصة يمكنك حجز استشارة بالعيادة.
استشارة عبر واتسابتابعنا على تلغرام