
البانديرم والكيناكومب مثالا
بكل بلد، هناك دائماً تلك الأنبوبة الصغيرة التي وُلدت من فراغ التشخيص، تحمل اسماً يلمع على الرفوف مثل بانديرم وكيناكومب. كانت البداية بريئة نسبياً، لكنها تحولت لاحقاً إلى مشكلة صحية تنتشر بلا ضجيج.
يمكن تتبع نشأة هذه الكريمات وفهم لماذا تحولت إلى ما يشبه "وباءً يَصنعه الإنسان". فقد خرجت إلى الوجود في منتصف القرن العشرين كمحاولة لتسريع شفاء بعض الالتهابات الفطرية الملتهبة، عبر دمج كورتيزول موضعي بجرعة خفيفة مع مضاد فطريات ومضاد بكتيريا. كانت الفكرة بسيطة: تهدئة الالتهاب الفطري أولاً وافتراض تلوثه بالبكتريا بسبب الحكة، ثم ترك المضاد الحيوي والفطري يعملان على مهل.
لكن الخيط انقطع عندما دخلت الأسواق الكبرى، خصوصاً في جنوب آسيا وإفريقيا، التي كانت تبحث دائماً عن علاج سريع ورخيص. فجأة تحولت التركيبات المتوازنة إلى كوكتيل دوائي أقوى بكثير من المطلوب: ستيرويد فائق القوة، مضاد فطري أضعف مما ينبغي، ومضاد حيوي لا مبرر لوجوده. ومع غياب الرقابة وضعف التشخيص، صارت هذه الكريمات تُباع كدواء لكل داء… وبدأت المتاعب.
الستيرويد القوي الموجود في بانديرم وأشباهه يعمل كمخادع بارع: يطفئ الاحمرار والحكة خلال ساعات، فيشعر المريض أنه على الطريق الصحيح، بينما الحقيقة أن جهاز المناعة الجلدي قد خُدّر، وأن العدوى الفطرية أصبحت في حماية الستيرويد نفسه. يتحول الفطر إلى غازٍ غير مرئي، يتكاثر بلا ضوضاء، وتفقد الإصابة شكلها الكلاسيكي… ويولد ما يسمى بـ التينيا المقنّعة أو Tinea incognito، ذلك الشكل الذي يجعل الفطر يبدو كالأكزيما أو الحساسية أو حتى الذئبة، فيستمر المريض في استعمال الستيرويد، وتتضاعف المشكلة.
وتزداد القصة قتامة عندما تلتقي الممارسة الخاطئة مع الفطر المقاوم. التقرير يربط بوضوح بين هذه التركيبات وبين ظهور سلالات جديدة شديدة الشراسة مثل Trichophyton indotineae، التي أصبحت مقاومة للأدوية التقليدية نتيجة التعرض المتكرر لجرعات مضادة للفطريات تكون أقل من اللازم وأكثر تقطعاً مما ينبغي.
رأي الهيئات الطبية العالمية اليوم حاسم وواضح:
الجمعيات الكبرى في الهند، بريطانيا، ومركز التحكم بالأمراض الأمريكي CDC اتفقت جميعها على أن استخدام هذه التركيبات لعلاج الفطريات أو الطفح مجهول السبب خطر وغير مبرر. بل إن بعضها يصف هذه التركيبات بأنها "مأساة دوائية" أو "فشل تنظيمٍ دوائي"، لأنها لا تعالج السبب، وتُعطّل المناعة، وتخلق عدوى مزمنة ومعدية، وتفتح الباب لمقاومة دوائية تهدد الصحة العامة.
من هنا تأتي خطورة بانديرم ونظرائه:
ليس لأن تركيبته "شريرة"، بل لأنه دواء خرج من سياقه. دواء لا ينبغي استعماله إلا نادراً وتحت إشراف طبي، لكنه أصبح في الواقع بديلاً جاهزاً حين يعجز الناس عن الوصول للتشخيص الصحيح.
ومهمة الطبيب هنا ليست فقط التحذير من الكريم، بل من الفكرة نفسها: أي طفح جلدي يحتاج اسماً قبل أن يحتاج علاجاً. وأي علاج يجب أن يحترم بديهيات الطب: أن نعرف ما نعالجه، وأن نستخدم أقل دواء يحقق أكبر فائدة، وأن نتجنب الخلائط التي تخفي المرض بدلاً من علاجه.
لهذا أصبح من واجبنا، كأطباء، أن نعيد الأمور إلى نصابها:
الفطريات تُعالج بمضاد فطري فقط.
الأكزيما تُعالج بستيرويد فقط.
والاحمرار مجهول السبب يجب أن يُشخَّص قبل أن يُلمس بالدواء.
هكذا نكسر الحلقة، ونحمي الجلد من ضررٍ صنعناه بأيدينا.
#عيادات_بيت_العافية
#عيادة_الجلدية_أون_لاين
