
المفاجأة - لما تكون الجرثومة هي اللي بتحميك من الأكزيما والحساسية
"يا دكتور، ولدي عنده أكزيما من وهو صغير، وطلع عنده جرثومة معدة كمان، يعني لازم نعالجها فوراً صاح؟"
ده السؤال اللي بخلي أي أم تستعجل وتمشي تجيب المضاد الحيوي من الصيدلية قبل ما تسمع بقية الكلام، وأنا أول ما بقول ليها "ما تستعجلي، ممكن الجرثومة دي تكون بتحمي ولدك مش بتضره"، بشوف في عينيها نظرة استغراب وكأنها بتقول: "يا دكتور إنت بتهزر؟ كيف جرثومة بتسبب سرطان المعدة تكون بتحمي ولدي؟".
والإجابة على السؤال ده هي أغرب فصل في قصة H. pylori كلها، وهو الفصل اللي بحق بيغير نظرتك الكاملة لعلاقة الإنسان بالميكروبات!
في البوست الثالث اتكلمنا بصورة عامة عن الوجه المزدوج للجرثومة، وقلنا إنها بتدرب "خلايا حفظ السلام" (Tregs) في الجهاز المناعي. الليلة حنركز بالتحديد على الأكزيما (الإكزيما التأتبية أو Atopic Dermatitis) وأمراض الحساسية، لأنو هنا القصة بتنقلب رأساً على عقب.
الباحث ليونيتي (Lionetti) في 2014 نشر تحليل تجميعي في مجلة (World Journal of Gastroenterology) جمع فيه دراسات عن العلاقة بين H. pylori والأمراض التأتبية (الأكزيما والربو والحساسية)، والنتيجة كانت عكس كل الأمراض الجلدية التانية اللي اتكلمنا عنها:
الناس الموجبين لـ H. pylori كانت نسبة إصابتهم بالأمراض التأتبية أقل بنسبة 20%، يعني بدل ما الجرثومة تزيد المرض زي ما شفنا في الأرتيكاريا والوردية والصدفية، هنا بالعكس، الجرثومة "بتقلل" المرض. وده مش رقم هامشي، ده رقم ذو دلالة إحصائية حقيقية (P = 0.02).
ونفس الكلام بينطبق على الربو وحساسية الأنف، اتكلمنا في البوست الثالث عن تحليلات تشن وبلاسر اللي لقوا إنو الناس الموجبين للسلالة الشرسة CagA عندهم احتمال أقل بـ 37% للإصابة بالربو في الطفولة، وأقل بـ 45% لحساسية الأنف، الأرقام دي اتأكدت في تحليل تجميعي أكبر (24 دراسة، 2017) لقى حماية شاملة بنسبة 17%، والحاجة المهمة إنو الحماية دي مخصوصة بالسلالة CagA الموجبة ، بينما السلالة CagA السالبة ما بتحمي، التفصيلة دي حاسمة جداً لأنها بتقول لينا إنو في آلية بيولوجية محددة شغالة هنا مرتبطة بجين CagA بالذات.
طيب عشان نفهم الآلية دي، لازم نرجع لمفهوم: "ميزان المناعة"، الجهاز المناعي عنده "كفتين" أساسيتين: كفة Th1 (اللي بتحارب البكتيريا والفيروسات وبتسبب الالتهاب المباشر)، وكفة Th2 (اللي بتحارب الديدان والطفيليات وهي نفسها المسؤولة عن أمراض الحساسية والأكزيما والربو).
في الشخص الطبيعي، الكفتين متوازنات، بينما في مريض الأكزيما والربو، كفة Th2 طاغية وغالبة، وده اللي بخلي الجسم يتحسس من حاجات بريئة زي الغبار وحبوب اللقاح ويفرز الهيستامين ويعمل حكة وتورم.
هنا بيجي دور H. pylori كـ "ثقل موازن"، لما الجرثومة تستوطن المعدة، هي بطبيعتها بتحفز مناعة Th1 (لأنها بكتيريا والجسم بيحاربها بأسلحة Th1)، التحفيز ده بيسحب الميزان ناحية Th1 وبيضعف كفة Th2، وبالتالي بقلل ردود الفعل التحسسية.
لكن الحكاية أعمق من مجرد "سحب ميزان"، لأنو زي ما شرحنا في البوست الثالث، H. pylori كمان بتنشط "الحكم" اللي بوقف المباراة لو اللعب بقى عنيف، وهو خلايا Tregs المنظمة، الخلايا دي بتكبح الطرفين: بتمنع Th1 من إنه يزيد عن اللزوم (وده بيحمي المعدة نفسها من التدمير)، وبتمنع Th2 من إنه يهيج بدون سبب (وده بيحمي من الحساسية).
والتجارب على الفئران أكدت ده بصورة قاطعة وجميلة، الباحثين شويه (Xue) وفريقهم في 2021 و 2023 نشروا تجارب أصابوا فيها فئران بـ H. pylori ثم حاولوا يحفزوا عندها أكزيما صناعية، الفئران المصابة بالجرثومة كانت محمية بصورة واضحة: الالتهاب الجلدي كان أخف، ومستوى الـ IgE في الدم (وده المؤشر الرئيسي للحساسية) كان أقل، والأجمل من كدة إنو بروتينين مهمين جداً لصحة حاجز الجلد اسمهم "الفيلاقرين" (Filaggrin) و"اللوريكرين" (Loricrin) كانوا مرتفعين في الجلد.
نحنا في سلسلة الترطيب اتكلمنا بالتفصيل عن الفيلاقرين وقلنا إنه هو الإسفنجة اللي بتمسك الموية في الطوبة (الخلية) وإنو نقصه هو السبب الأساسي في الأكزيما، يعني H. pylori مش بس بتهدي المناعة، هي كمان بتساعد الجلد يبني حاجزه صاح. ده اكتشاف مذهل فعلاً.
عشان نقرب الصورة للواقع العملي، تخيل معاي السيناريو ده: عندك طفل عمره 5 سنين، عنده أكزيما شديدة ومعاها ربو خفيف، وأمه مشت فحصته ولقت عنده H. pylori. لو عالجنا الجرثومة بدون يكون في أعراض بطنية، نحنا ممكن نكون شلنا من جسم الطفل ده واحد من "الفرامل" اللي كانت بتمسك جهازه المناعي من إنه يتهيج زيادة، وساهمنا في تفاقم الأكزيما، أو ظهور ربو أشد، أو تطور حساسية أنف جديدة، يعني عملية علاجية كان المقصود منها الخير ممكن تأتي بنتائج عكسية.
إذن قرار علاج H. pylori ما لازم يكون "تلقائي" أو "روتيني" لكل زول، القرار ده لازم يكون شخصي ومدروس، في حالات العلاج واجب وضروري: لو عندك قرحة معدة، أو تاريخ عائلي لسرطان المعدة، أو أرتيكاريا مزمنة ما بتستجيب للعلاج.
وفي حالات لازم نوقف ونفكر مرتين: لو عندك أكزيما أو ربو وما عندك أي شكوى في المعدة، علاج الجرثومة ممكن يكون أضراره أكتر من فوائده، والدكتور المعالج هو اللي بيقدر يوزن الكفتين ويقرر معاك القرار الأنسب لحالتك إنت بالتحديد.
كده عرفنا الأمراض اللي الجرثومة بتزيدها، والأمراض اللي بتحمي منها، فضل نعرف: لو قررنا نتعايش مع الجرثومة أو نقلل أضرارها أو حتى نعالجها، في حاجات بنقدر نعملها من المطبخ والأكل اليومي ممكن تفرق فرق كبير.
في البوست الجاي حنتكلم عن أطعمة مثبتة علمياً بتكافح الجرثومة وبتقلل الالتهاب من غير ما تحتاج تبلع أي حبة دواء.
البوست القادم: أكلات بتحارب الجرثومة.. من المطبخ للمعدة.
#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #جرثومة_المعدة_والجلد
