
صديق ولا عدو؟ المفارقة اللي حتغير نظرتك للجرثومة دي
"يا دكتور، إنت بتقول لي ما تعالجها؟ طيب ما هي بتسبب سرطان!"
ده رد الفعل الطبيعي اللي بلقاه من أي مريض لما أبدأ أشرح ليه إنو قصة جرثومة المعدة أعقد من "جرثومة شريرة لازم نقتلها"، ونحنا كأطباء اتربينا على فكرة إنو أي ميكروب في الجسم معناه "غازي" لازم نتخلص منه، وده فهم مبسط جداً للحقيقة، البوست ده حيقلب ليكم المعادلة رأساً على عقب.
خلونا نبدأ بالأرقام اللي بتحير: من كل الناس الشايلين جرثومة المعدة في بطونهم (ونحنا قلنا ديل نص سكان الكوكب)، 5% لـ 15% بس هم اللي بيتطور عندهم مرض حقيقي، يعني من كل 100 زول عنده الجرثومة، 85 لـ 95 زول حيعيشوا حياتهم كلها وما حيحسوا بأي حاجة.
لو كانت البكتيريا دي "عدو صرف" وما فيها أي خير، كيف استمرت العلاقة دي قرابة ال 100,000 سنة؟ الإجابة إنو العلاقة دي فيها "صفقة" قديمة بين الجسم والبكتيريا، والعلم الحديث بدأ يكشف بنودها.
أول بند في الصفقة دي اكتشفوه لما لاحظوا ظاهرة غريبة: كل ما انتشار جرثومة المعدة بنزل في مجتمع من المجتمعات، أمراض الحساسية والربو والأكزيما بترتفع، يعني في العالم الغربي، نسبة الإصابة بالجرثومة نزلت من أكتر من 50% لأقل من 10% خلال القرن العشرين، وفي نفس الفترة بالضبط، الربو والأكزيما وحساسية الأنف انفجرت وبقت وباء.
الملاحظة دي خلت العالم مارتن بلاسر (Martin Blaser) يطلق نظريته الشهيرة: "الميكروبات المختفية" (Disappearing Microbiota Hypothesis)، ومعناها إنو نحنا لما قضينا على ميكروبات قديمة كانت عايشة معانا زي H. pylori، خسرنا معاها حاجة مهمة كان جهازنا المناعي محتاجها عشان يشتغل صاح.
الموضوع ده بذكرنا بسلسلة المناعة الذاتية اللي كتبناها قبل كدة، لما اتكلمنا عن "فرضية الأصدقاء القدامى" (Old Friends Hypothesis) اللي طرحها العالم جراهام روك (Graham Rook). الفكرة نفسها بالضبط: جرثومة المعدة هي واحدة من "الأصدقاء القدامى" ديل اللي عاشوا مع الإنسان في المجموعات الصغيرة بتاعت الصيادين وجامعي الثمار، وكانوا بنتقلوا عمودياً من الأم للطفل جيل بعد جيل، الأصدقاء ديل ما زي أمراض الزحام (الحصبة والإنفلونزا) اللي ظهرت مع الزراعة والمدن قبل 10,000 سنة بس، ديل أقدم بكتير وجسمنا "متعود" عليهم ومحتاجهم عشان يضبط جهازه المناعي.
طيب كيف بالضبط بكتيريا في المعدة بتضبط المناعة؟ العلماء أرنولد (Arnold) وفريقه في 2011 نشروا تجربة حاسمة في مجلة (Journal of Clinical Investigation) عملوها على فئران، لما أصابوا الفئران الصغيرة بـ H. pylori وهي لسه رضع، الفئران دي لما كبرت كانت محمية تماماً من الربو التحسسي، فما جاهم تضيق في المجاري التنفسية، وما أصابهم التهاب، وما ظهرت عندهم الخلايا المناعية التحسسية اللي بتدمر الرئة، الحماية بالتجربة دي كانت كاملة ومذهلة.
السؤال كان: كيف؟ والإجابة طلعت في خلايا قديمة نحنا عارفنها كويس من سلسلة المناعة الذاتية: "خلايا حفظ السلام" أو الخلايا التنظيمية (Tregs). جرثومة المعدة لما تستوطن المعدة، بتعيد برمجة خلايا مناعية مهمة اسمها الخلايا المتغصنة (Dendritic Cells) وبتحولها من "محاربات شرسة" لـ "مفاوضات هادية" بتفرز مواد مهدئة زي TGF-β. الخلايا المفاوضات دي بدورها بتدرب جيل جديد من خلايا Tregs المنظمة اللي بتكبح جماح المناعة وبتقول ليها "روقي، ده ما عدو".
والأجمل من كدة، لما العلماء شالوا خلايا الـ Tregs من الفئران المصابة بالجرثومة ونقلوها لفئران "نظيفة" ما عندها جرثومة، الفئران النظيفة دي كمان اتحمت من الربو، ولما شالوا الـ Tregs من الفئران المصابة، الحماية اختفت معاها، يعني الحماية طلعت مربوطة بالـ Tregs ربط مباشر، وده إثبات قوي إنو H. pylori فعلاً بتدرب الجهاز المناعي على "ضبط النفس".
الكلام ده ما وقف على تجارب الفئران، الباحث تشن (Chen) وزميله بلاسر حللوا بيانات المسح الصحي الأمريكي الضخم (NHANES) ولقوا إنو الناس الموجبين لـ H. pylori (وبالذات السلالة الشرسة CagA الموجبة) كانت نسبة إصابتهم بالربو في الطفولة أقل بـ 37% ، وحساسية الأنف أقل بـ 45%، وكمان تحليل تجميعي (Meta-analysis) لـ 24 دراسة في 2017 أكد النتيجة دي، والحاجة المهمة إنو السلالات الموجبة للـشراسة CagA هي اللي بتدي الحماية، بينما السلالات السالبة لـيها ما بتحمي، التفصيلة دي مهمة جداً لأنها بتقول لينا إنو الموضوع ما مجرد ارتباط بالفقر أو ظروف المعيشة، في آلية بيولوجية حقيقية شغالة هنا.
والقصة ما بتقيف عند الربو والحساسية، جرثومة المعدة كمان طلعت "حارسة" ضد مرض ارتجاع المريء (GERD) وحالة خطيرة اسمها مريء باريت (Barrett's Esophagus) اللي ممكن تتحول لسرطان المريء، في تحليل تجميعي ضخم (72 دراسة، أكتر من 84,000 حالة) لقى إنو الناس اللي عندهم H. pylori احتمال إصابتهم بمريء باريت أقل بـ 32% ، والسلالة CagA الموجبة بتدي حماية خارقة بنسبة 72% ، السبب منطقي وبسيط: السلالات الشرسة دي لما تستوطن جسم المعدة بتدمر الخلايا المنتجة للحمض، فكمية الحامض بتقل، وبالتالي الارتجاع بقل، والمريء برتاح.
يعني تخيل المشهد ده: إنت عندك بكتيريا قاعدة في معدتك من يوم ما كنت طفل، البكتيريا دي من ناحية بتزيد خطر قرحة المعدة وسرطان المعدة (وده حقيقي ومثبت)، وفي الناحية التانية بتحمي رئتيك من الربو، وأنفك من الحساسية، وجلدك من الأكزيما، ومريئك من السرطان، يعني هي زي "الشريك التجاري الصعب" اللي بجيب ليك أرباح كبيرة وفي نفس الوقت بورطك في مشاكل كبيرة، ما تقدر تقول هو كله خير، وما تقدر تقول هو كله شر.
وفوق ده كله، اكتشفوا إنو H. pylori بتكبح هرمون في المعدة اسمه الجريلين (Ghrelin) وده "هرمون الجوع"، لما تعالج الجرثومة وتقتلها، الجريلين بيرتفع بنسبة 75% في الدم، والنتيجة إنو ناس كتيرة بعد العلاج وزنهم بيزيد والكوليستيرول بيرتفع وسكر الدم بيتأثر، يعني حتى الأيض والوزن ليهم علاقة بالمستأجر الصامت ده.
الخلاصة اللي لازم تطلع بيها من البوست ده هي إنو قرار "نعالج ولا ما نعالج" الجرثومة ما قرار بسيط زي ما الناس مفتكره، القرار ده لازم يكون مدروس وشخصي، يعتمد على حالتك إنت، وتاريخك الطبي، وأعراضك، ففي حالات العلاج فيها واجب وضروري (زي القرحة وبعض أمراض الجلد المزمنة اللي حنتكلم عنها)، وفي حالات العلاج فيها ممكن يكون أضراره أكتر من فوائده (زي لو عندك أكزيما وربو وما عندك أي شكوى في المعدة).
طيب كده عرفنا إنو المعدة فيها "ساكن قديم" عنده وجهين، فضل نعرف كيف بالضبط الساكن ده لما "يزعل" برسل رسائل التهابية من المعدة توصل لحدي الجلد وتعمل فيه مشاكل، محور الأمعاء والجلد ده شبكة اتصالات معقدة، وفهمها هو المفتاح لفهم كل الأمراض الجلدية اللي حنتكلم عنها في بقية السلسلة.
البوست القادم: معدتك بتتكلم مع جلدك.. كيف الالتهاب بيسافر من البطن للبشرة؟
#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #جرثومة_المعدة_والجلد
