
| قصة تسمية
في شتاء العام 1494 ميلادية أنزل شارل الثامن ملك فرنسا جيشاً جراراً من المرتزقة على أرض إيطاليا ضمّ في صفوفه فرنسيين وألماناً وسويسريين وإسباناً في حملة عسكرية طموحة للاستيلاء على مملكة نابولي، كان الجيش الغازي قد حقق أهدافه بسهولة مدهشة واحتل المدينة العريقة دون عناء يذكر
ثم حدث شيء لم يكن في حسبان أحد: اجتاح المعسكرات الفرنسية وباء جديد شرس لم تعرف أوروبا له مثيلاً من قبل، مرض يبدأ بتقرحات مريبة ثم يتفشى في الجسد مشوّهاً إياه تشويهاً بشعاً حتى صار المصابون به موضع رعب ونبذ أينما حلّوا. حين انسحب الجيش الفرنسي أخيراً وتفرّق مرتزقته عائدين لبلدانهم حملوا معهم هذا الضيف المظلم عبر كل طريق سلكوه فانتشر الوباء كالنار في هشيم القارة الأوروبية بأسرها.
هنا بدأت واحدة من أطرف الظواهر اللغوية في تاريخ الطب، ظاهرة تستحق التأمل لأنها تكشف عن غريزة بشرية عميقة الجذور: أن تُلبس جارك قميص العار كلما سنحت الفرصة.
فالإيطاليون الذين شهدوا الوباء يتفجر وسط الجنود الغزاة سمّوه فوراً "المرض الفرنسي" mal francese وهو اسم يحمل في طياته كل ازدراء الضحية لجلادها، اسم يقول ببساطة: هذا البلاء ليس منا وإنما جاء مع هؤلاء البرابرة من وراء جبال الألب. سرعان ما تبنّى الإنجليز والألمان نفس التسمية بحماس لأن كراهية فرنسا كانت رياضة أوروبية شعبية بامتياز في تلك الحقبة.
الفرنسيون بدورهم رفضوا هذا اللقب المشين بطبيعة الحال فأطلقوا عليه اسم "المرض النابولي" مُلقين الكرة في ملعب المدينة ذاتها التي غزوها وكأن المنطق يقول: نحن أبرياء والوباء كان قابعاً هناك ينتظرنا!
ثم تدحرجت كرة الاتهام عبر القارة في مشهد يشبه لعبة الكراسي الموسيقية حيث يتقاذف الجميع الوصمة ويرفض كل طرف أن يجلس عليها: فالروس سمّوه "المرض البولندي" لأن الحدود المشتركة كانت مسرحاً لعداوات قديمة متجذرة، والبولنديون ردّوا الصاع صاعين فسمّوه "المرض الألماني" كأن الأوبئة تتبع خرائط الكراهية السياسية، ثم جاء العثمانيون ليختزلوا الحكاية برمتها في تسمية عبقرية الإيجاز: "المرض المسيحي" مُلقين بالتهمة على حضارة بأكملها دفعة واحدة!
المشترك بين كل هذه التسميات أنها لم تكن وصفاً طبياً بقدر ما كانت سلاحاً دبلوماسياً، فخلف كل اسم تختبئ عداوة تاريخية وخصومة جيوسياسية وحاجة نفسية عميقة للتطهر من العار بإلصاقه بالآخر. المرض الواحد صار يحمل ستة أسماء أو أكثر في وقت واحد حسب الجهة التي تنظر منها للخريطة، وكأن أوروبا العصور الوسطى المتأخرة قررت أن تحوّل وباءً مريعاً إلى مرآة تعكس فيها كل أمة وجه عدوتها التقليدية.
ظلّ هذا الجنون التسموي قائماً لعقود طويلة حتى جاء المخلّص من مكان غير متوقع تماماً: من الشعر! ففي العام 1530 ميلادية نشر الطبيب والشاعر الإيطالي جيرولامو فراكاستورو Girolamo Fracastoro قصيدة لاتينية طويلة بعنوان "سيفيليس أو المرض الفرنسي" Syphilis sive morbus Gallicus روى فيها حكاية راعٍ شاب اسمه سيفيلوس Syphilus تجرّأ على إهانة إله الشمس أبولو فعاقبه الإله بهذا الداء المشوِّه كلعنة سماوية لا فكاك منها.
كانت القصيدة بارعة الحبكة جميلة الإيقاع فاكتسحت الأوساط الطبية والأدبية معاً حتى صار اسم ذلك الراعي المسكين الخيالي هو الاسم الرسمي للمرض مُزيحاً كل تلك الألقاب القومية المتشاحنة من الساحة. المدهش هنا أن البشرية احتاجت لأسطورة ميثولوجية يونانية الطابع لتتخلص من حرب تسميات قومية حقيقية، وكأن الخيال الأدبي وحده كان قادراً على صياغة أرض محايدة يقبلها الجميع بعد أن عجزت السياسة والطب عن ذلك لخمسة وثلاثين عاماً كاملة!
الطبقة الأكثر مرارة في هذه الحكاية لا تظهر إلا حين نتقصّى أصل المرض ذاته. فثمة نظرية علمية قوية مدعومة بأدلة أثرية وجينية متزايدة تُعرف بالنظرية الكولومبية Columbian Theory تقول بأن بحارة كريستوفر كولومبوس هم من حملوا البكتيريا المسببة للمرض Treponema pallidum من العالم الجديد إلى إسبانيا عام 1493 ميلادية، أي قبل عام واحد فقط من غزو شارل الثامن لنابولي.
فبينما كانت أوروبا منشغلة بتقاذف التهمة فيما بينها كان المصدر الحقيقي بعيداً وراء المحيط في قارة لم تكن قد دخلت بعد في حسابات لعبة اللوم القومية لأن أهلها ببساطة لم يكونوا طرفاً في خصومات العالم القديم المتشابكة.
المفارقة التي تستحق لحظة صمت طويلة هي أن هذا المرض الوحيد الذي ربما استوردته أوروبا من الأمريكتين كان مجرد بداية متواضعة لتبادل بيولوجي رهيب سيقلب التاريخ البشري رأساً على عقب
فحين عادت السفن الأوروبية محمّلة بالذهب والفضة والطموحات الاستعمارية حملت معها الجدري والحصبة والإنفلونزا التي محت ما يقدّر بتسعين بالمائة من سكان الأمريكتين الأصليين في واحدة من أفظع الكوارث الديموغرافية في تاريخ جنسنا البشري. فبينما شوّه السيفيليس وجوه بضعة آلاف من الأوروبيين ردّت أوروبا الصاع بأوبئة أبادت حضارات بأكملها كالأزتيك والإنكا
وكأن التاريخ أراد أن يذكّرنا بأن كرة اللوم التي تقاذفتها الأمم الأوروبية فيما بينها كانت في حقيقة الأمر أصغر بما لا يقاس من الكرة الحقيقية التي قذفتها أوروبا مجتمعة في وجه عالم بأسره.
ترى هل يخطر ببال أحد اليوم وهو يقرأ في كتب الطب كلمة Syphilis بحياد سريري أنها تحمل في حروفها الخمسة ذاكرة حرب دبلوماسية ولعنة إله وثني وراعياً خيالياً أنقذ أمم أوروبا من حرج تسموي دام عقوداً ومفارقة كولونيالية مأساوية لا تزال أصداؤها تتردد حتى اللحظة ؟
سؤال مفتوح.
