
في سبتمبر السنة الفاتت كتبت سلسلة عن حمى الضنك، وفي الأيام الفاتت لاقتني إحصائيات رسمية وأخبار متعددة من أصحاب بمدن سودانية كتيرة عن إصابات متزايدة، فحبيت أعيد ليكم الفقرة دي من المقال الافتتاحي عشان نستوعب انو ده ما وباء عابر بل مرض بقى مستوطن، فهم المشكلة هو أول سبل حلها، بينما الإنكار ما حيغير من الواقع قيد أنملة (رابط المقال الكامل بالتعليقات)
===============================+=
الضنك: وباء المستقبل في السودان
حين نتأمل ديناميات الناقل – بعوضة Aedes aegypti – ندرك أن الضنك ليس مرضاً طارئاً سينتهي كما انتهت جائحة الكورونا، بل وباء مستوطن يرسّخ وجوده بمرور السنوات، تماماً كما فعلت الملاريا من قبل.
فالمناخ السوداني، وتراكم المياه الراكدة، والتمدّد الحضري غير المخطط، كلها عوامل تجعل من البلاد بيئة مثالية لاستمرار دورة الناقل عاماً بعد عام. لذلك فإن الحديث عن “نهاية” الضنك ليس واقعياً، بل الأرجح أننا سندخل مرحلة جديدة يصبح فيها الضنك جزءاً من المشهد الصحي المزمن، مرضاً نتعامل معه موسمياً ولسنوات قادمة على أقل تقدير.
وليس هذا التقدير من باب التشاؤم، بل هو ما تؤكده تجارب دول أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية: فهناك، ورغم استقرار الأنظمة الصحية، لم يُقضَ على الضنك، بل ظل يتكرر في موجات متعاقبة تتفاوت شدتها بحسب الأمطار والتحركات السكانية. في السودان، حيث الحرب والنزوح والدمار العمراني، تصبح الظروف أعقد بكثير.
حركة النزوح العكسي مثلاً – آلاف الأسر التي تعود فجأة إلى قراها ومدنها – تنقل معها العدوى إلى مناطق جديدة، فتفاجئنا تحديات كنا نتوقعها بشدة لو كان هناك تخطيط سليم.
بل إن منظمة الصحة العالمية نفسها كانت قد حذّرت بدقة في تقريرها الصادر في يوليو 2024 (Public Health Situation Analysis – Sudan) من أن: “تفشيات حمى الضنك سُجِّلت في تسع ولايات منذ يوليو 2024، وأن خطر التوسع والتضخيم يظل مرتفعاً جداً نظراً لتلاقي الفيضانات، والنزوح الجماعي، وانهيار أنظمة مكافحة الناقل.” لقد كان ذلك تحذيراً صريحاً بأننا نتجه إلى انفجار وبائي إذا لم تُتخذ تدابير حاسمة.
واليوم نرى تحقق هذا السيناريو حرفياً: الموجة الحالية بدأت مع أمطار يوليو وأغسطس، وبلغت ذروتها في سبتمبر وأكتوبر، وهي مرشحة للاستمرار بقوة حتى نوفمبر. لكن الخطر لا ينتهي بانحسار القمة؛ إذ أن “قمم ما بعد الموجة” تظل ممكنة، خصوصاً مع النزوح العكسي الواسع المستمر الذي يعيد إدخال الفيروس إلى مناطق جديدة.
ما يبدو “مفاجئاً” للناس هو في الحقيقة نتيجة متوقعة بشدة، لو كان هناك نظام يقرأ ديناميات الناقل والوباء كما ينبغي.
=================================
د محمد قرشي عباس
